تقارير

القطاع الخاص: الاقتصاد اليتيم في العراق

تقارير / وكالة انباء عين العراق الدولية المستقلة

منذ بداية تشكيل خلية الازمة لمواجهة وباء كورونا واجهت انتقادات شديدة بعضها سليم والأخر لا علاقة له بالازمة انما هو جزء من حالة النقد السائدة التي ترمي التهم جزافا على هذا وذاك بحجة وجود الفساد في أجهزة الدولة، الا ان مجمل القرارات التي اتخذتها خلية الازمة المشكلة من بالامر الديواني رقم 55 لسنة 2020 كانت تاثيراتها واضحة على العاملين في القطاع الخاص.

قررت الخلية منذ البداية فرض حظر التجمعات، ثم تبعتها بقرار للحظر الشامل للتجوال ومنع اي مواطن من ممارسة اعماله باستثناء فئات معينة كالخبازين والبقالين والصيدليات والمحال التي لها علاقة بالمواد الأساسية لحياة المواطنين، اما فيما يتعلق بتعويضات المواطنين الذين توقفت أعمالهم فلم تقدم الخلية اية حلول، ورمت الكرة في ملعب الحكومة التي بدورها لم تقدم الحلول بل رمت الكرة وبطريقة احتيالية بملعب خلية الازمة وذلك من خلال تاكيدها الدائم على ضرورة الالتزام بقرارات الخلية بينما هي لم تقدم حلولا حقيقية او تعويضات لمن تضررت أعمالهم من القرارات الحكومية.

واذا كان القطاع الخاص هو المتضرر الأول في الازمة فانه الجميعيات الخيرية والمؤسسات الدينية هي التي تحملت ثقل الجزء الأكبر من الحلول ولو انها لم تكن كافية لكنها أسهمت في انقاذ حياة جزء كبير من المواطنين الذين توقفت أعمالهم، وخلال الازمة سُجلت ملاحظات مهمة تعبر عن جوهر المشكلات التي يعاني منها العراق منذ سنوات وهي:

1. الحرب العلنية ضد القطاع الخاص، فالحكومة هي الراعي الرسمي للقطاع الحكومي، ولا علاقة لها اطلاقا بالقطاع الخاص، بل تجعله كبش الفداء في كل ازمة، واذا كانت الحكومات المتقدمة توفر الدعم بشكل أساسي للقطاع الخاص خلال الازمات، فان الحكومة العراقية ينصب كل همها على عدم المساس بأي دينار يستلمه الموظف في القطاع الحكومي رغم انه توقف عن أداء وظيفته من خلال جلوسه في البيت، بينما تمنع على العاملين في القطاع الخاص من استلام أي دينار لان أعمالهم تعتمد على مدى مساهماتهم الفعلية، اذ لا تحسب له أجور في أوقات الحظر الصحي.

2. فرض ضرائب غير منطقية، مثل فرض ضريبة على كسر حظر التجوال، وضريبة أخرى لعدم استخدام إجراءات السلامة الصحية مثل لبس الكمامة وغيرها، اذ فرض غرامة قدرها خمسون الف دينار على من يكسر حظر التجوال، بينما فرضت غرامة قدرها عشرة الاف دينار على من يمتنع عن استخدام إجراءات الوقاية الصحية وغرامات أخرى تصل الى مائة الف دينار اذا تم تطبيق القواعد المرورية خلال مدة الحظر.

سمعنا عن ارقام فلكية بالعقوبات المشار اليها، فمديرية المرور أعلنت عن عشرات الالاف من الغرامات وعند حسابها يصل المبلغ المستحصل بما يزيد عن مليارات الدنانير، واذا ما ارادت الحكومة فعلا تطبيق إجراءات العدالة المجتمعية، وتلافي تفشي ازمة جديدة اسمها ازمة أصحاب القطاع الخاص، فعليها استخدام الغرامات المستحصلة كتعويض لعمال القطاع الخاص حصرا، لكن هناك صعوبة في اجراء كهذا لسبب مهم وهو غياب قاعدة بيانات رسمية عن عدد العاملين في القطاع الخاص، والحكومة لا تعرف أصلا اين يعملون وما هي طريقة استحصار الأجور.

3. فرض نظام الزوجي والفردي بالنسبة للسيارات الخاصة، وهذا القرار بحد ذاته يعبر عن تخبط واضح، فاذا كان القرار يتعلق بالزحامات المرورية فهي معدومة لوجود إجراءات الحظر الصحي، اما اذا كان القرار يتعلق بالتقليل من مخاطر الإصابة بالفيروس التاجي، فان منع السيارات الخاصة يدفع المواطنين الى استخدام سيارات النقل العام وسيارات الأجرة، وهذا يزيد من فرص التلامس الاجتماعي ما قد يعرض الكثير من المواطنين لخطر الإصابة بفيروس كورونا.

4. الاستثناء، رغم اننا نعيش في اخطر ازمة واجهها العراق منذ سنوات، فاننا لا نزال امام سياسة الاستثناء، وليست المشكلة بالاستثناءات الرسمية كالاطباء والصحفيين وقوات الامن، بل بالاستثناءات الأخرى التي تعتمد على الواسطة الى حد ان البعض يتنقل بين المحافظات بكل سهولة نتيجة علاقاته مع المسؤولين بينما بعض المواطنين وخاصة العاملين بالقطاع الخاص لا يستطيعون الخروج لبضعة كيلومترات خارج منازلهم.

5. المناطق الشعبية، كلنا يعرف ان هناك مناطق شعبية لا يمكن تطبيق الحظر الصحي فيها لاسباب لا تتعلق بجهل المواطنين كما يشاع اليوم في مواقع التواصل ووسائل الاعلام، بل بالطبيعة الخانقة في بناء المنازل، فهناك منازل لا يتجاوز حجمها 50 مترا وبعضا اقل من ذلك، وفق طريقة ما يعرف “بالمشتملات”، فهل تستطيع خلية الازمة تخيل اسرة كاملة تعيش في الحجر داخل منزل لا يزيد حجمه عن خمسين مترا، واغلب الاسر التي تعيش في هذا النوع تعتاش على العمل اليومي الخاص مثل سيارات الأجرة والستوتات واعمال البناء وغيرها التي توقفت نهائيا بسبب الحظر الصحي.

مشكلات كثيرة لم تتولد عن الازمة الحالية لكن فيروس كورونا أعاد تسليط الأضواء عليها، فمن يعمل في القطاع الخاص غريب في العراق، لا يستلم القروض الحكومية ولا قطع الأراضي ولا يستفيد من التقاعد بعد انتهاء خدمته ومحروم من جميع الخدمات، كما انه يعيش في بيوت صغيرة لا تتسع الا للسجناء فكيف بعائلة كاملة.

منذ سنوات انصب تركيز الحكومة على دعم القطاع الرسمي، بينما اهملت وبشكل متعمد القطاع الخاص، ولم تستطع حتى اصدار قوانين لحماية العاملين في القطاع الخاص، ولم تجهد نفسها بعمل قاعدة بيانات عامة حتى جاءت ازمة فيروس كرونا لتكشف ان من يعمل في القطاع الخاص مثل اليتم وسط مجتمع من الموظفين الاثرياء بينما يقبع العامل في بيت صغير لا تصله سلة الغذاء اليومية الا حينما يخرج للعمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق