الرئيسيةالمقالات

السياسة الأخلاقية والأخلاق السياسية

مقالات _وكالة انباء عين العراق الدولية المستقلة

بقلم زياد الزبيدي رئيس التحرير

ترتبط السياسة بالأخلاق وسمو الأهداف والغايات التي تسعى لتحقيقها, وهذا الترابط كان منذ القدم ولا يزال حالة متشابكة, لايمكن الفصل والوصل التامين بينهما, كما انه من غير الممكن الحديث عن سياسة بلا أخلاق او اخلاق بلا سياسة, فمن السذاجة تصنيف الحالة الإنسانية في مربع القطيعة التامة والفعلية, وهذا طبعا اذا ما ربطنا تحليلنا بجدلية تداخليه تربط بين المفهومين دون ان تؤدي الى توحد كلا المفهومين او تنافرهما المطلق. ان الارتباط الفعلي بالسياسة يولد إشكاليات متعددة بين مدى تمسك السياسي بالأخلاق وبين مستوى أداءه, وهل إن النضال السياسي يفترض تبرير الوسائل الشريرة بل وأقصاها أحيانا ؟ وهل يمكن التنازل عن الاخلاق (الحميدة) في مواقف معينة واستبدالها باخلاق (وضيعة) من اجل بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف المرتقبة مهما كان نبلها وعدالتها؟ هذه الإشكاليات المختلفة آثارها الجدل الساخن والأحاديث العابرة بين الأوساط الشعبية وفي المنابر الإعلامية أيضا باختلاف نسقها الفكري العام, والذي يطرح تساؤلات شتى عن مدى تمسك الساسة الحقيقيين بالمعايير الأخلاقية للوصول الى غايات بغض النظر عن سموها وديمقراطيتها او حتى قداستها في مواقف أخرى, وآخذين بنظر الاعتبار طبعا حق الإنسان المتساوي في الحياة والحرية والكرامة, ان الطرح السالف لا يمكن حصره بين فئة سياسية معينة بل هي حالة جديرة بالتعميم حتى على النظام السياسي القائم او من ينوب عنه في السلوك تجاه الأطراف الأخرى المختلف معها, ولعل ابرز تجلياته ما يلمس من مبالغة قصوى (في الغالب) من شيطنة الطرف الآخر المعارض له أو المناهض لمصالحه وتقزيمه واتهامه ووصفه بشتى الأوصاف والنعوت إلا اذا نزل عند قوانينه الخاصة ودخل في لعبته السياسية, وهنا تبرز المقولة الشهيرة لأحد الفلاسفة (ان الشر لا يقتل الشر كما النار لا تطفئ النار) وهي تختزل بشكل دقيق وواضح ما ذهبنا إليه من علاقة السياسي بالأخلاق, نظريا وفلسفيا فان السياسة هي منبع الاخلاق باعتبارها أداة لتحقيق الصالح العام والقيم الإنسانية مثل العدالة والحرية والمساواة والتضامن والسلم, أما واقعيا فقد ارتبطت السياسة بالنجاعة والمردودية والتكتيكات الظرفية والصراعات والتعصب الفكري وانتهاز الفرص وخدمة المصالح الشخصية الضيقة وصارت مسلكا للصعود الطبقي ولكسب الثروات عبر الوصول الى السلطة واستغلالها او التمسح بأعتابها. إلا إن هنالك تنافر وتباين بين السلطة والاخلاق يبرز موضوعيا في البون الشاسع بين الخطاب السياسي ومقتضيات تدبيجه بأرفع الكلمات وتزيينه بأرقى المثل والغايات والفضائل , وبين الممارسة السياسية الفعلية التي تكذب ذلك الخطاب وأصحابه من الخطباء المتحمسين او المبتسمين على الدوام, وهذه الازدواجية ليست خاصة ببعض الساسة في العراق سواء أكانوا في السلطة أم في خارجها بمختلف توجهاتهم, بل هي سمة غالبة شائعة في العالم بأسره خاصة الدول العربية ودول العالم الثالث, وان كانت آليات الرقابة الشعبية والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة واستقلالية قوى المجتمع المدني والإعلام الحر أصبحت توفر في الأنظمة الديمقراطية الحديثة حدا أدنى من التوازن والضمانات للحد من التجاوزات وتصحيحها, وفضح انتهاكات الساسة وذويهم ومحاسبتهم باعتبارهم مستغلين للمنصب السياسي وحانثين للقسم الذي أدوه وابتعدوا عن سمو الأهداف السياسية ليتبنوا أحطها وأدناها مرتبة. أمام هذه الظواهر المتنامية التي ينبغي مواجهتها بجرأة لما تمثله من أخطار لا يقدر ممتهن السياسة مدى خطورتها على المستويين الشعبي أو السياسي, وتؤدي حتما الى تلاشي مصداقيتهم وتخلخل صورتهم لدى الرأي العام, ويصبح من العبث تمرير الدعوات الواعظة والشعارات الزائفة للاهثين وراء الكراسي والراكبين لكل موجة بشتى الوسائل الحميدة منها والوضيعة, والذين سرعان ما يتحولون بقدرة قادر من أرباب الفضيلة وضرورة احترام العملية السياسية والدستور واحترام المبادئ والشفافية ضمن إطار رأسمالي هيمنت عليه النزعة البراغماتية وصناعة النجوم الزائفة وقانون العرض والطلب ويروج فيه لموت الأيدلوجيات والخيارات المبدئية وأضحت السياسة مصدر ارتزاق بالنسبة للكثيرين ممن استغلوا الفراغ الذي تركه ضعف السلطات الرقابية البرلمانية والقضائية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى